السبت، 12 سبتمبر 2026 - 12:24
التجنيس في الصحراء المغربية يفتح النقاش حول الإحصاء والهوية والتمثيلية
مجتمع

التجنيس في الصحراء المغربية يفتح النقاش حول الإحصاء والهوية والتمثيلية

26 أغسطس 2026 1 دقيقة قراءة لا تعليقات 8 قراءات
حجم الخط
إعلان
مساحة إعلانية 728×90

أثار فتح إسبانيا باب التجنيس أمام الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية نقاشا قانونيا يرتبط بما قد تفرزه الخطوة من تداعيات سياسية وديمغرافية على مسار قضية الصحراء المغربية. فالمسألة، وإن كانت تستند في ظاهرها إلى اعتبارات تاريخية وحقوقية تتصل بوضعية أشخاص ولدوا في ظل الإدارة الإسبانية للإقليم، تفتح الباب أمام قراءات أخرى تتصل بموازين الملف وتعقيداته الممتدة منذ عقود. يتناول هذا المقال الإحصاء والهوية والتمثيلية بالاستناد إلى المعلومات الواردة.

وفي هذا الإطار يبرز البعد المرتبط بالإحصاء كأحد أكثر جوانب الملف حساسية، في ظل استمرار غياب إحصاء رسمي ودقيق لسكان مخيمات تندوف، رغم المطالب الدولية المتكررة بضرورة تحديد أعدادهم وتركيبتهم السكانية. كما من شأن توسيع دائرة المستفيدين من الجنسية الإسبانية، وما يرافق ذلك من ملفات إدارية ووثائق ومعطيات شخصية، أن يوفر مؤشرات إضافية بشأن عدد الأشخاص المعنيين وأصولهم ومساراتهم العائلية والجغرافية؛ وهو ما قد يعيد طرح سؤال الأرقام التي ظلت جبهة البوليساريو تقدمها بشأن سكان المخيمات دون إخضاعها، وفق الرباط، لتدقيق مستقل.

ولا يقف الأمر عند حدود الأرقام، إذ يرتبط الإحصاء بصورة مباشرة بمسألة التمثيلية التي تتمسك بها جبهة البوليساريو الانفصالية، التي تقدم نفسها الممثل الوحيد للصحراويين. ومن هذه الزاوية قد يتحول مسار التجنيس إلى مدخل غير مباشر لاختبار مدى تطابق هذه الادعاءات مع الواقع الديمغرافي والاجتماعي والتاريخي للسكان، خصوصا أن المسارات القانونية والإدارية المرتبطة بالجنسية قد تكشف تعدد الانتماءات والامتدادات العائلية والجغرافية، وتعيد الاعتبار لتعقيد النسيج الصحراوي بدل اختزاله في كتلة بشرية متجانسة تتحدث جهة واحدة باسمها.

وبالنسبة إلى المغرب يمكن أن يشكل هذا المعطى ورقة إضافية في النقاش حول حقيقة السكان المعنيين بالنزاع وحدود الادعاءات المرتبطة بتمثيلهم، ليس فقط من خلال تدقيق المعطيات الديمغرافية، وإنما أيضا عبر إعادة طرح القضية في أبعادها التاريخية والقانونية والإنسانية.

وفي وقت قد ترى أطراف التجنيس باعتباره مكسبا سياسيا أو حقوقيا تبرز إمكانية توظيف آثاره العملية في اتجاه أكثر دقة: الوصول إلى معطيات قابلة للتحقق بشأن السكان، ما يضع ملف مخيمات تندوف أمام سؤال الإحصاء والهوية والتمثيلية، وهي عناصر تظل مركزية في أي مقاربة جادة لتسوية النزاع المفتعل.

الإحصاء والهوية والتمثيلية

مكاسب مغربية

قال العربي النص، الخبير العسكري والعضو السابق في البوليساريو، إن “النقاش حول الجنسية الإسبانية للصحراويين يعود إلى نحو ثلاث سنوات، متزامنا مع التحركات المتسارعة والمستجدة في الملف، ولا سيما ما يرتبط بالبحث عن حل توافقي وطرح مقترحات جديدة لتسوية النزاع”.

وأوضح النص، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “تلك المرحلة شهدت بروز مسألتين متزامنتين؛ الأولى تتعلق بالجنسية الإسبانية لفائدة الصحراويين المنحدرين من الإقليم، والثانية بفتح موريتانيا، في الفترة نفسها، باب التجنيس أمام الصحراويين بصفة عامة”، وتابع: “إن تزامن هذه التطورات قد يعكس توجها لدى بعض القوى النافذة إلى فتح خيارات متعددة أمام الصحراويين، لعلها تسهم في تجاوز حالة الجمود المرتبطة بمخيمات تندوف، وتهيئ الأرضية أمام مخارج أخرى لهذا النزاع العالق”.

وأضاف الخبير في الشأن الإسباني أن “البعد السياسي يظل أحد العوامل التي تقف وراء هذه التطورات، إلى جانب الأبعاد الحقوقية والقانونية والإدارية”، مشيرا إلى أن المرحلة نفسها عرفت تحركات دبلوماسية مكثفة وزيارات ولقاءات متوالية مع مسؤولين وساسة إسبانيين وغيرهم، وهو ما يعزز، بحسبه، “احتمال وجود خلفية سياسية لهذا المسار”.

وفي هذا الصدد أكد مدير “مركز السلام للدراسات السياسية والإستراتيجية” أن الأمر قد يندرج ضمن محاولة لإيجاد حل يمكن وصفه، بالمفهوم الصحراوي، بأنه حل “عابر للحدود”، “بالنظر إلى أن الصحراويين الموجودين في الجزائر، حتى وإن لم يتقبل بعضهم الحل المقترح أو لم ينسجم معهم، يظل بإمكانهم البقاء هناك، بينما تطرح وضعية الأقلية المهجرة من المستعمرة الإسبانية السابقة إشكالا مختلفا، خصوصا مع إمكانية استفادتها من التجنيس الإسباني، بما يوفر لها خيارا ثالثا”.

وسجل الباحث في خبايا النزاع أن “فتح موريتانيا باب التجنيس أمام الصحراويين يندرج، بدوره، ضمن هذا السياق”، موردا أن الصورة التي تشكلت لديه منذ البداية هي أن لهذا الملف بعدا سياسيا واضحا، وأضاف أن كل ما من شأنه أن يخدم تنزيل الحل السياسي المتوافق عليه في إطار مقترح الحكم الذاتي، هو، في نظره، “أمر يصب في مصلحة المغرب والمجموعة الدولية والأمم المتحدة والصحراويين على حد سواء”.

إعلان
مساحة إعلانية 336×280

وفي المقابل شدد العربي النص على ضرورة الانتباه إلى التركيبة الجغرافية والديمغرافية للصحراويين، لافتا إلى أن “الأقلية” هي التي تعود أصولها أساسا إلى الصحراء، في حين أن الجزء الأكبر من الصحراويين بالمفهوم الجغرافي الواسع ينحدر من مناطق الصحراء الكبرى، ولا يكون بالضرورة معنيا بالنزاع بشكل مباشر.

وخلص المحلل السياسي ذاته إلى أن الحل المطروح المتعلق بالحكم الذاتي للإقليم من شأنه أن يفتح خيارات متعددة أمام هذه الفئات، مشيرا إلى أن ما تحتاجه هذه المجموعات، في تقديره، هو “حل شامل يتيح العودة إلى المغرب لمن يرغب في ذلك، مع فتح مجالات وخيارات متزامنة في البلدان المجاورة، كل بحسب المنطقة التي ينحدر منها”.

قنبلة موقوتة

يرى سعيد بوشاكوك، الباحث المهتم بقضايا التنمية والمجال، أن “إثارة موضوع تجنيس السكان الصحراويين المزدادين خلال الفترة الاستعمارية الإسبانية تحمل أبعادا سياسية تتجاوز ظاهرها القانوني والحقوقي، بالنظر إلى ارتباطها بالسياق السياسي الإسباني وبطبيعة العلاقات القائمة بين مدريد والرباط”.

ولفت بوشاكوك إلى أن “هذه الخطوة يمكن قراءتها، من زاوية أولى، كورقة سياسية موجهة إلى الرأي العام الداخلي الإسباني، بما قد يخدم مساعي إعادة بريق بعض التيارات السياسية اليسارية المتعاطفة مع جبهة البوليساريو، بينما قد يخفي بعدها الآخر رغبة في إعادة توجيه مواقف الرأي العام الإسباني بما يسمح باستمالة مكاسب إضافية في العلاقات الإستراتيجية مع المغرب”.

وأوضح المتحدث نفسه، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “المغرب يمكنه، في المقابل، توظيف مسألة التجنيس بشكل إيجابي، خصوصا في ما يتعلق بتدقيق المعطيات الديمغرافية المرتبطة بالسكان الصحراويين”، مؤكدا أن “هذا المسار قد يوفر فرصة لإعادة طرح سؤال الإحصاء والتحقق من الأعداد والهوية الفعلية للفئات المعنية”.

وعن البعد السياسي والقانوني للخطوة أكد الباحث نفسه أن “عملية التجنيس يمكن أن تشكل ورقة سياسية وإنسانية تساعد على مراجعة الأسس التي جرى اعتمادها في تحديد هوية السكان، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالهوية الإثنية باعتبارها أساسا لتحديد الانتماء”، موردا أن “هذا المدخل يفتح المجال أمام التدقيق في حقيقة التركيبة السكانية ومدى وجود هوية واحدة جامعة كما تقدمها بعض الأطروحات السياسية”.

واستحضر بوشاكوك أن “عملية التجنيس تمثل، في حد ذاتها، مدخلا جديدا للكشف عن تعدد الهويات والانتماءات داخل الفضاء الصحراوي الواسع”، بما يؤكد، وفق قراءته، أن “الواقع الاجتماعي والتاريخي أكثر تعقيدا من اختزاله في هوية واحدة أو تمثيلية واحدة”.

وفي هذا الإطار سجل المحلل السياسي أن الاقتصار على تجنيس المولودين خلال الحقبة الاستعمارية الإسبانية قد يتحول إلى “قنبلة موقوتة” تزيد الوضع تعقيدا داخل مخيمات تندوف، “ولا سيما في صفوف الأجيال اللاحقة التي وجدت نفسها أمام واقع قائم على الوهم والمصير المجهول، وهو ما قد يعيد وضع المنتظم الدولي أمام مسؤولياته التاريخية في الكشف عن الحقيقة التاريخية والقانونية والاجتماعية والسياسية والإنسانية للمنطقة وسكانها”.

وختم سعيد بوشاكوك بالتشديد على أن “الهوية الحقيقية للسكان الصحراويين هي هوية مغربية ذات خصوصيات محلية، باعتبارها إحدى روافد الهوية الوطنية الموحدة ومتعددة المشارب”، مؤكدا أن “هذا التنوع والغنى في المكونات المحلية يشكل أحد عناصر قوة المملكة المغربية”.

The post التجنيس في الصحراء المغربية يفتح النقاش حول الإحصاء والهوية والتمثيلية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر الأصلي

إعلان
مساحة إعلانية 728×90

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *